محمد متولي الشعراوي
1226
تفسير الشعراوي
ومعنى « أمانة » أنه لا يوجد صك ، ولا شهود ، وتكون الذمة هي الحكم ، فإن شئت أقررت بهذه الجنيهات المائة ، وإن شئت أنكرتها . إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة جنيه في الذمة الإيمانية ، ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك : نعم سأحتفظ لك بالمائة جنيه بمنتهى الأمانة . وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن يطلبها ، ولكنك لا تضمن ظروف الحياة بالنسبة لك ، وأنت كإنسان من الأغيار . ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطا يجعلك تماطل معه في أداء الأمانة ، أو يجعلك تنكرها ، فتقول لمن ائتمنك : ابعد عنى ؛ أنا لا أملك نفسي في وقت الأداء ، وإن ملكت نفسي وقت التحمل . والأمانة هي القضية العامة في الكون ، وإن كانت خاصة الآن بالنسبة للآية الكريمة التي نحن بصددها والحق - سبحانه - يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول - جل شأنه - : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( 72 ) ( سورة الأحزاب ) إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل الأمانة وهذا يعنى أن الأمانة سوف تكون عرضة للتصرف والاختيار ، ولا كائن في الكون قد ضمن لنفسه القدرة على الوفاء وقت الأداء . لقد أعلنت الكائنات قولها فأبين تحمّل الأمانة وكأنها قالت : إنّا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين مقهورين لا اختيار لنا ؛ ولذلك نجد الكون كله يؤدى مهمته كما أرادها اللّه ، ما عدا الإنسان ، أي أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الاختيار ، وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال : إنني قادر على تحمل الأمانة ؛ لأنى أستطيع الاختيار بين البدائل . وهنا نذكّر الإنسان : إنك قد تكون قويا لحظة التحمل ، ولكن ماذا عن حالك وقت الأداء ؟ لذلك قال اللّه عن الإنسان : « وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا » لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم . وهو جهول لأنه قدّر وقت التحمل ، ولم يقدّر وقت الأداء ، أو ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها .